لويس عطية الله


الجمعة,تموز 13, 2007


الحقيقة أن هذا السؤال يجب أن يعكس ويقال:
هل سيصمد الأمريكان ؟

قبل بدء الحرب الجوية توقع كثير من
العسكريين الروس والفيتناميين وغيرهم أن تفشل الحملة العسكرية الامريكية في القضاءعلى طالبان أو تنظيم القاعدة.. وعزا الروس ذلك إلى تجربتهم الخاصة في أفغانستان..وكانت هناك الكثير من التعليقات الساخرة من العسكريين الروس حول مقدرة الجنودالأمريكان على شن الحرب بالطريقة التي روجوا لها في وسائل الاعلام..
كانت الحرب لم تبدأ بعد ونظر كثير من الناس إلى الامر وكأنه محسوم سلفا..
وإذا كانالكتاب والمحللين السياسيين الامريكيين معذورين في تصورهم لذلك لوجود الدوافعالوطنية لديهم وغرور القوة التي يتمتع بها الامريكان.. فإن كتابا مثل الراشدوالحمد وبن طفلة العجمي وغيرهم من الكتاب العرب لم يكونوا معذورين عندما يجزمونبحتمية الهزيمة لطالبان والقضاء على تنظيم القاعدة.. كان يجب أن ينظروا إلىالوقائع الاولية قبل أن يحكموا بحتمية الهزيمة على طرف مسلم، مازالت قضيته تثيرجدلا واسعا حول شرعية الضربات التي يتلقاها من طرف صليبي معروف سلفا أغراضهالمصلحية في الشرق الاسلامي.

مر شهر على الضربة وراهنت أمريكا على ثلاثة أمور :
1- أن يحصل انشقاق داخلي في الحركة
2-
أن تقوم ثورة داخلية منالبشتون على طالبان بعد أن تكون الضربات الجوية قد اثارت السخط على طالبان من قبلالافغان تحت سيطرتها.
3- أن يحقق تحالف الشمال نصرا عسكريا سريعا بمساندةالغطاء الجوي الأمريكي..
لم يحدث اي شيء من تلك الامور التي راهنت أمريكاعليها، فلم يحدث انشقاق داخلي وفشلت نظرية الثورة بل زاد السخط بين الافغان علىامريكا، وعندما تحرك عبدالحق قضت عليه طالبان فورا وبمساندة قبائل في منطقته.
وأخيرا ما زال تحالف الشمال يفتقد إلى العدد اللازم لاكمال قدراته القتالية في
الحرب..
في البداية كان الغموض يلف استراتيجية طالبان في المواجهة لقلةالمعرفة بالنسبة لنا كقراء لم يسبق لهم زيارة افغانستان ولم نتابع قبل الاحداث الحالية تطورات تكوين طالبان وكيفية استيلائها على المناطق في افغانستان، وكثير منالتقارير تؤكد أن طالبان في بدء تكوين الدولة لم تخض معارك كبيرة لأن كثيرا منالمناطق فتحت سلما.. وكانت طالبان في البداية مجرد قوة تشبه قوة حفظ السلام فيأفغانستان..
ثم تغيرت الموازين بصورة كبيرة.. عندما حصلت المراسلات بين
بن لادن والملا محمد عمر ثم اللقاء ثم انضواء بن لادن تحت مضلة طالبان.. وفيالنهاية اقنع اسامة بن لادن الشيخ جلال الدين حقاني بالانضمام إلى طالبان.. هناانقلبت الموازين العسكرية لطالبان حيث أن حقاني كان من كبار القادة العسكريين فيأيام الجهاد السابق وينضوي تحته العديد من القادة العسكريين في منطقة خوست..وهؤلاء القادة كانوا على مستوى عالي من الخبرات القتالية والتي وظفوها لخدمةالمجهود العسكري لطالبان..
وساهم تنظيم القاعدة بتدريب دفعات كثيرة من طالبان وإعداد قوات ذات قدرات قتالية عالية في شن الحرب بأشكالها المختلفة
ويبدو من متابعة ما يكتب من تقارير من هنا وهناك أن طالبان والقاعدة يدركون
جيدا قدراتهم التسليحية فاعتمدوا على استراتيجية عسكرية كان لها دور كبير جدا فيتقليل الخسائر العسكرية في صفوفهم..
يمكن تسمية هذه الاستراتيجية ب استراتيجية
 الحركة الدائمة )

وهذه الاستراتيجية وضح دورها الكبير في التقليل من آثارالضربات الجوية على المناطق التابعة لحركة طالبان..
تقوم هذه الاستراتيجية علىاعتماد نوع محدد من السيارات ( نصف نقل بالدارج ) ونيتات يتم تركيب المدافع المضادة للطائرات من نوع ( شلكة ) في الصندوق ويتواجد عدد معين من المقاتلين المستعدين للاشتباك في أيلحظة.. بجوار الشلكة، وعندما يتوفر العدو يقوم الافراد بالانتشار فورا ومهاجمته

تتحرك هذه السيارات في حركة شبه دائمة وبصورة متفرقة لتفادي القصف الجوي
، وايضا للبحث عن العدو ومواجهته في أي لحظة وبشكل مفاجئ..
هذا ما حدث فعلا عند الانزال البري على جبل بابا صاحب حيث اعترفت قوات الدلتا فورس، أنها فوجئت تماما بقوات طالبان وكأنها وقعت في كمين نصبه لها رجال طالبان..

بالنسبة للاسلحة الثقيلة التي تملكها طالبان، فلم أجد أي معلومات دقيقة عنكمياتها وأنواعها لكن الشيء المؤكد أن طالبان استعدت في فترة الاعداد الامريكية (قرابة شهر ) وقامت بعمليات اخفاء لعدد كبير من تلك الاسلحة...
وأما سلاح
الطيران فلم تكن طالبان تعتمد عليه كثيرا.. لذا لم تعطه بالا خصوصا أنه لوجستيا لميكن بمقدورها استخدام هذا السلاح لغياب العمق الاستراتيجي الذي يمكن أن تلجأ إليهطالبان لتوفير قطع الغيار أو غيرها من المتطلبات الضرورية للطيران إضافة إلى أنالتحالف لن يترك لها فرصة استخدام المطارات في ظل غياب المنظومة المتكاملة لاستخدامسلاح الطيران ( رادارت، مراكز تحكم ومراقبة جوية... الخ )

لذا كان تعويل طالبان على الحركة الدائمة للقوات وإخفاء أكبر قدر ممكن من المدرعات بانتظار الحربالبرية الشاملة..

ولا يمكن بالطبع تغييب القاعدة عن هذه الحرب فالقاعدةتقوم بأدوار حاسمة في ادارة وتطوير المجهود الحربي لطالبان.. ومن أبرز اسهاماتالقاعدة الحالية ما يلي :

1- توفيرها لأفضل وأقوى الكتائب القتالية فيحماية المدن الرئيسية مثل جلال اباد وكابل وقندهار...
ومعلوم أن المقاتلين
العرب هناك ليس أمامهم سوى طريقين النصر أو الشهادة.. فلا يوجد لديهم أي فرصة للنجاة سوى القتال والاستمرار في القتال بكل قوة.. فلا يفكر الواحد منهم أنه يمكنأن يعود لبلاده بعد انتهاء الحرب، عمليا ليس لديه خيار سوى الدفاع عن أرضه الجديدةافغانستان ) وهذا ما يجعلهم مقاتلين اشداء، هذا غير ما عرف عن العرب من الشجاعةالمتناهية في القتال..
وعموما الجندي المسلم متفوق دائما على غيره، لأنه يطلبالشهادة بينما الجندي الكافر يطلب الحياة والسلامة.
2- توفيرها لقدرات عسكريةخاصة جدا، وقد نشرت الشرق الاوسط اليوم على صدر صفحتها الاولى خبرا بالخط العريض :كتائب انتحارية للافغان العرب استعدادا للحرب البرية. وهذه الكتائب دربت علىالقيام بأعمال مثل استخدام السيارات المفخخة والطائرت الشراعية ذات المحرك الواحدللقيام بعمليات تفجير في التجمعات العسكرية للعدو..

بقيت مسألة تحالف الشمال وخطوط التماس بينه وبين طالبان وهذه معضلة حقيقية بالنسبة لأمريكا
فأمريكا تحتاج لوقت طويل لتسليح تحالف الشمال وتوجيهه لخوص حرب أكثر فعالية..
لكن تداخل الخطوط يؤدي كثيرا إلى كوارث حتى في خطوط تحالف الشمال وعلى سبيل المثالنقل أمس أن القنبلة ذات وزن 7 طن ألقيت بالقرب من مزار شريف فتسببت في قتل 100 منطالبان وفي نفس الوقت قتل 200 من تحالف الشمال ( لست متأكدا من الخبر لكنه نموذج )،وإذا علمنا أن تحالف الشمال لا يملك أكثر من 15 عشر الف مقاتل بينما طالبان تملكأكثر من 45 ألف مقاتل غير تنظيم القاعدة وغير المتطوعين الباكستانيين، نصبح هناأمام حقيقة وهي أن التفوق الجوي والتسليحي لتحالف الشمال سوف يواجه بالتفوق البشريلطالبان ,, وجميعنا يتذكر الحرب العراقية الايرانية وكيف ان الحرب راوحت مكانهالأنه مقابل التفوق التسليحي العراقي كان هناك تفوق بشري ايراني في المقابل..

على اي حال.. طالبان لديها شبكات انفاق والارض ارضها ورجالها خاضوا الحربمنذ عشرين سنة تقريبا فلا مشكلة حقيقية لديهم، ولا مشكلة من جانب تحالف الشمالايضا في هذه الناحية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن لدى الامريكان فهم يقاتلون في ارضغير ارضهم ويقاتلون عدوا لا يعرفون الكثير من المعلومات عنه ولم يفهموا بعداستراتيجيته.

واذا كانت أمريكا تقول إن استراتيجيتها في الحرب تقوم علىمبدأ ( اضرب واهرب ) فإن تلك الاستراتيجية منيت بفشل ذريع في نموذج الانزال البري في قندهار..
وتبين لها أنها بحاجة إلى خوض الحرب بطريقة أخرى.. فهل ستنجح تلك الطريقة ؟
هذا ما ستجيب عنه الايام القادمة، لكن الشيء الذي أنا متأكد منه
أن طالبان ستصمد طويلا وأمريكا لن تتحمل تبعات الحرب خصوصا الاقتصادية منها..